العيني

9

عمدة القاري

لا يقتضي التكرار ، فتتعين الركعة الأولى منها ، وإنما أوجبناها في الثانية استدلالاً بالأولى ، لأنهما تتشاكلان من كل وجه ، وقد ذكرنا فيما مضى أن القراءة في الصلاة مستحبة غير واجبة عند جماعة منهم الأحمر وابن علية والحسن بن صالح والأصم ، وروى الشافعي عن مالك بإسناده عن محمد بن علي بن الحسين : أن عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، صلى المغرب فلم يقرأ فيها شيئا ، فقيل له ، فقال : كيف كان الركوع والسجود ؟ قالوا : حسن . قال : فلا بأس . قلنا هذا منقطع بين محمد بن علي وبين عمر ، وفي إسناده أيضا مجهول . وفي ( شرح مسند الشافعي ) لأبن الأثير : روى الشعبي عن زياد بن عياض عن أبي موسى : صلى عمر فلم يقرأ شيئا فأعاد ، قال : ورواه أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عمر : أنه صلى المغرب فلم يقرأ فأعاد ، وروى الشافعي ، فيما بلغه عن زيد بن حبان : عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الحارث عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، قال له رجل : إني صليت فلم أقرأ . قل : أتممت الركوع والسجود ؟ قال : نعم . قال : تمت صلاتك . وقال ابن المنذر : روينا عن علي أنه قال : إقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين . وعن مالك رواية شاذة إن الصلاة صحيحة بدون القراءة ، وقال ابن الماجشون : من ترك القراءة في ركعة من الصبح أو أي صلاة كانت تجزيه سجدتا السهو . وروى البيهقي عن زيد بن ثابت : القراءة في الصلاة سنة . وعن الشافعي في القديم : إن تركها ناسيا صحت صلاته . وفي ( المصنف ) من جهة أبي إسحاق عن علي وعبد الله بن مسعود ، أنهما قالا : إقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين . وعن منصور ، قال : قلت لإبراهيم : ما نفعل في الركعتين الأخريين من الصلاة ؟ قال : سبح واحمد الله وكبر . وعن الأسود وإبراهيم والثوري كذلك . الوجه الثاني : استدل بقوله : ( أركد في الأوليين ) من يرى تطويل الركعتين الأوليين على الأخريين في الصلوات كلها ، وهو مذهب الشافعي ، حكاه في ( المهذب ) . وفي ( الروضة ) : الأصح التسوية بينهما وبين الثالثة والرابعة ، قال : والمختار تطويل أولى الفجر على الثانية وغيرها ، وهو قول محمد بن الحسن والثوري وأحمد بن حنبل ، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف : لا يطيل الركعة الأولى على الثانية إلاّ في الفجر خاصة . وفي ( شرح المهذب ) لأصحابنا وجهان ، أشهرهما : لا يطول ، والثاني : يستحب تطويل القراءة في الأولى قصدا ، وهو الصحيح المختار ، واتفقوا على كراهة إطالة الثانية على الأولى إلاّ مالكا ، فإنه قال : لا بأس أن يطيل الثانية على الأولى ، مستدلاً بأنه صلى الله عليه وسلم قرأ في الركعة الأولى : بسورة الأعلى ، وهي تسع عشرة آية ، وفي الثانية : بالغاشية وهي ست وعشرون آية . وفي الصلاة لأبي نعيم : حدثنا شيبان عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه : كان النبي صلى الله عليه وسلم يطول في الركعة الأولى من الظهر والعصر والفجر ، ويقصر في الأخرى ، فإن جهر فيما يخافت فيه أو خافت فيما يجهر فيه ، فعند أبي حنيفة يسجد للسهو ، وعن أبي يوسف : إن جهر بحرف يسجد ، وفي رواية عنه : إن زاد فيما يخافت فيه على ما يسمع أذنيه فتجب سجدتا السهو ، والصحيح أنها تجب إذا جهر مقدار ما تجوز به الصلاة ، وفي ( المصنف ) : ممن كان يجهر بالقراءة في الظهر والعصر خباب بن الأرت وسعيد بن جبير والأسود وعلقمة ، وعن جابر قال : سألت الشعبي وسالما وقاسما والحكم ومجاهدا وعطاء عن الرجل يجهر في الظهر والعصر ؟ فقالوا : ليس عليه سهو . وعن قتادة : أن أنسا جهر فيهما فلم يسجد ، وكذا فعله سعيد بن العاص إذ كان أميرا بالمدينة . وفي ( التلويح ) : ويستدل لأبي حنيفة بما رواه أبو هريرة من كتاب ابن شاهين بسند فيه كلام ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأيتم من يجهر بالقراءة في صلاة النهار فارجموه بالبعر ) . وفي ( المصنف ) عن يحيى بن كثير : ( قالوا يا رسول الله : إن هنا قوما يجهرون بالقراءة بالنهار ! فقال : ارموهم بالبعر ) . وعن الحسن وأبي عبيدة : صلاة النهار عجماء . وقال صاحب ( التلويح ) : وحديث ابن عباس : صلاة النهار عجماء ، وإن كان بعض الأئمة قال : هو حديث لا أصل له باطل ، فيشبه أن يكون ليس كذلك لما أسلفناه . الوجه الثالث : أن الإمام إذا شكا إليه نائبه بعث إليه واستفسره عن ذلك في موضع عمله عن أهل الفضل فيهم ، لأن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، كان يسأل عنه في المسجد أهل ملازمة الصلاة فيها . وفيه : جواز عزله وإن لم يثبت عليه شيء إذا اقتضت لذلك المصلحة . قال مالك : قد عزل عمر سعدا وهو أعدل من يأتي بعده إلى يوم القيامة ، والذي يظهر أن عمر عزله حسما لمادة الفتنة . وفي رواية سيف ، قال عمر ، رضي الله تعالى عنه : لولا الاحتياط وأن لا يتقي من أمير مثل سعد لما عزلته . وقيل : عزله إيثارا